قصص قصيرة

اخت مراتى امانى السيد

وتعالى عشان نطمن عليها سوا.
قفلت المكالمة بإيد بتترعش، والتليفون وقع من إيدي على أرضية العربية.
سندت راسي على الدركسيون ودموعي نزلت، دموع خزي وندم عمري ما حسيت بمرارهم قبل كده. هدى مقالتش.. البنت اللي كنت فاكرها صغيرة ومندفعة، طلعت أوعى وأرجل مني ألف مرة؛ صانت أختها وصانت بيتي، سترتني وهي قادرة تدمرني وتمسح بكرامتي الأرض، رفضت ټحرق قلب أختها بالخېانة، وفضلت تشيل الۏجع والصدمة لوحدها على إنها تهد البيت اللي دخلته بحسن نية.
قعدت أكتر من ساعة في مكاني، براجع شريط حياتي كله. شفت مراتي وهي بتفرح بدخولي، شفت صبرها وعشرتها وحبها النظيف اللي ملوش شروط، وشفت نفسي وأنا بجري ورا وهم وسراب، كنت هضيع جنة حقيقية عشان طمع وشهوة ووسوسة شيطان ركبت دماغي.
من اللحظة دي، حسيت بڼار بتكوي قلبي وبتنضفه بالقوة. خدت عهد على نفسي إني أقطع السكة دي تماماً، مش بس بالسكوت، بل بالأفعال
الانسحاب التام من تفاصيل حياتها قررت أبطل أي سؤال، ومفيش مشاوير للكلية تاني تحت أي ظرف، حتى لو كان التمن إني أختلق أي شغل أو أتحجج بالسفر.
رسم حدود حديدية لو اتصادف وجمعتنا مناسبة عائلية، مفيش كلمة زيادة ولا نظرة ولا دلع؛ وجودي هيبقى زي الغريب المحترم اللي بيحسب خطواته بحذر.
رد الجميل والستر الستر اللي ربنا وهدى وهبوهولي مكنش عشان أرجع زي ما كنت، كان فرصة تانية عشان أصون مراتي وأعوضها عن كل لحظة قلبي غفل فيها عنها وعن حقها.
روحت البيت يومها وإنسان تاني تماماً هو اللي دخل من الباب. بصيت لمراتي وهي بتتحرك في الصالة وبتحط الأكل، حسيت إني شايفها لأول مرة بقيمتها الحقيقية؛ الست الصالحة اللي شايلاني وصايناني، واللي كانت تستاهل راجل أنضف وأرجل من اللي كنت عليه.
أما هدى، فكانت الدرس القاسې اللي فوقني من غيبوبتي؛ بنت الأصول اللي علمتني يعني إيه أمانة، وخلتني أدفن الوهم ده للأبد وأبص قدامي، عشان أحافظ على اللي فاضل من شرفي وبيتي.
مرت الأسابيع والشهور، والبيت اللي كان على وشك يتهد فوق دماغي اتبنى جواه سور جديد.. سور من ندم حقيقي وتكفير عن ذنب مكنش هيتغفر لو طلع للنور.
هدى مبقتش تيجي عندنا غير على فترات متباعدة جداً، وفي كل مرة كانت بتيجي فيها، كانت الحجج جاهزة عندي مشوار شغل طارئ، ميعاد صيانة للعربية، أو حتى أفضل قاعد في القهوة بالساعات لحد ما أتأكد إنها مشيت. وحتى المرات النادرة اللي كانت الصدفة بتجمعنا فيها، مكنش بيطلع من لساني غير إزيك يا هدى، عاملة إيه؟ بنبرة ناشفة وباردة، وعيني في الأرض، أرد على قد السؤال وأقوم أسيب الأوضة فوراً.
هي كانت فاهمة، ونظرة الاحتقار اللي شوفتها في عينيها يوم العربية بدأت تتحول بالتدريج لنظرة ارتياح؛ ارتاحت إني فهمت مقامي، وإني لزمت
حدودي ومحاولتش أكرر السذاجة دي تاني.
في المقابل، كل طاقتي واهتمامي اللي كانوا ضايعين في الهوا، صبيتهم في بيتي وعلى مراتي.
كنت برجع من الشغل عيني عليها هي بس؛ ألاحظ تعبها، أساعدها في تفاصيل البيت الصغيرة، أفتكر تواريخنا ومناسباتنا، وأشتريلها هي الحاجة اللي بتحبها من غير مناسبة. مراتي كانت حاسة بالتغيير، عينيها كانت بتلمع بفرحة بريئة كل ما تشوف حنيتي واهتمامي، وكانت دايماً تطبطب على كتفي وتقولي ربنا يخليك ليا يا حبيبي.. حاسة إنك رجعتلي من أول وجديد، الدنيا دي كلها متهمنيش وإنت جنبي كده.
الكلمة دي بالذات كانت بتدبحني وتداويني في نفس الوقت؛ بتدبحني لأني فكرت في يوم أخونها، وبتداويني لأنها بتأكدلي إني ماشي في الطريق الصح.
لحد ما جه اليوم اللي هدى اتخطبت فيه لزميل ليها في الكلية، شاب محترم ومكافح على قد حاله بس شاريها.
يوم قراية الفاتحة في بيت حمايا، كنت واقف وسط الرجالة ببارك للعريس. لما هدى دخلت بالشربات، رفعت عينها وبصتلي لأول مرة من سنين من غير خوف ولا حذر؛ وانا بصتلها بامتنان حقيقي، امتنان إن بيتها وبيت أختها فضلوا واقفين ومحدش اتفضح ولا اتكسر. وأنا في اللحظة دي، باركتلها من كل قلبي، وابتسمت من غير غل ولا حسرة، حسيت براحة عجيبة وغسيل كامل لروحي، كأن حمل جبل انزاح عن صدري.
خرجت من بيت حمايا وماسك إيد مراتي بقوة، ماشي في الشارع وأنا ساندها وسامع ضحكتها الرقيقة وهي فرحانة لأختها، وقولت لنفسي وأنا باصص للسما الحمد لله على الستر.. والحمد لله على الصڤعة اللي بتفوق البني آدم قبل ما يضيع نفسه ويضيع كل اللي بيحبوه.

الصفحة السابقة 1 2 3 4

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى