قصص قصيرة

سر آخر حكايات اسما السيد

نظرت إلى السماء قبل أن أجيبه

الحب لم يختف

لكنه تغيّر

نضج وجرح وتعب لكنه لم يمت

ابتسم لأول مرة منذ سنوات

ابتسامة ضعيفة لكنها حقيقية

في تلك اللحظة أدركت أن النهاية التي كنت أظنها نهاية حياتي لم تكن سوى بداية جديدة

بداية أصعب وأكثر صدقا من أي بداية عرفتها من قبل.

مرت الشهور التالية وكأنها زمن جديد لا يشبه أي شيء عشناه من قبل
البيت الذي كان يشبه غرفة عناية مركزة صار يمتلئ بصوت الحركة والكلام
لكن الغريب أن الضجيج لم يبدد الفراغ الذي تراكم داخل قلبي طوال السنوات الماضية
تعافى كريم ببطء شديد
كل خطوة كان يخطوها كانت معجزة صغيرة
وكل مرة يمسك يدي فيها كنت أشعر بفرح يشبه الدموع
لكن مع كل تحسن كان سؤال خفي يكبر داخلي
كيف نعيش بعد كل ما حدث
كيف نعود زوجين بعد أن كنا ممرضة ومريضا وظلا وصمتا
أصبحنا نحاول إعادة ترتيب حياتنا كما يعيد شخص ترتيب بيت احترق نصفه
نحتفظ بما نجا ونحاول ترميم ما تهدم
عاد كريم إلى متابعة قضيته مع الشرطة
كانت التحقيقات طويلة ومتعبة
استدعاءات ومحاضر وشهادات
وأسماء كنت أسمعها للمرة الأولى رغم أنها كانت جزءا من حياته
في أحد الأيام عاد إلى المنزل متعبا على غير عادته
جلس على الأريكة صامتا وقتا طويلا قبل أن يقول
هناك شيء لم أخبرك به بعد
تجمدت في مكاني
تعلمت خلال الأشهر الماضية أن الجملة التي تبدأ بهذه الكلمات تحمل عاصفة بعدها
قال إن شركاءه لم يكونوا يعملون وحدهم
كانت هناك أسماء أكبر وأقوى لم تصل إليهم التحقيقات بعد
وأحدهم ما زال حرا
شعرت بأن الهواء يختفي من حولي
كأن السنوات الست الماضية عادت فجأة لتجلس معنا في الغرفة
سألته بصوت خافت
هل نحن في خطر
نظر إلي طويلا قبل أن يجيب
ربما
لم أنم تلك الليلة
كل صوت في البيت صار يوقظ قلبي
وكل ظل خلف النافذة صار احتمال خطر
في صباح اليوم التالي استيقظت على صوت جرس الباب
فتحت الباب فوجدت باقة زهور ضخمة موضوعة على الأرض
لا بطاقة ولا اسم
حملتها بيدين مرتجفتين إلى الداخل
وحين وضعتها على الطاولة سقطت بطاقة صغيرة مخبأة بين الزهور
كانت جملة واحدة فقط
الحمد لله على السلامة
نظرت إلى كريم وقرأت الخوف في عينيه قبل أن ينطق بكلمة
بدأت الأيام التالية بقلق دائم
شعور بأن أحدا يراقبنا من بعيد
أن الماضي الذي ظننا أننا هربنا منه لم ينته بعد
وفي إحدى الليالي بينما كنا نشاهد التلفاز انقطعت الكهرباء فجأة
غرق البيت في ظلام كامل
سمعنا صوتا خافتا في الطابق العلوي
تبادلنا نظرة صامتة
تلك النظرة التي تقول كل شيء دون كلمات
صعد كريم الدرج ببطء رغم ضعفه
تبعته وأنا أكتم أنفاسي
كان باب غرفة النوم مفتوحا قليلا
يدفعه الهواء بحركة خفيفة كأنه يدعونا للدخول
دخلنا الغرفة معا
كانت النافذة مفتوحة والستائر تتحرك ببطء
وعلى السرير كانت هناك قطعة ملابس داخلية رجالية بلون خمري
تماما مثل تلك التي بدأت بها القصة
نظر إلي كريم بصدمة حقيقية هذه المرة
وقال بصوت مرتجف
هذه ليست لي
في تلك اللحظة فهمت أن القصة التي ظننا أنها انتهت لم تبدأ بعد.

تجمد الدم في عروقي وأنا أحدق في القطعة الموضوعة فوق السرير
كان المشهد يعيدني إلى البداية وكأن الزمن دار دورة كاملة وعاد إلى النقطة نفسها
لكن هذه المرة لم يكن في الأمر شك أو تفسير بريء
هذه المرة كان كريم يقف بجانبي ويرى ما أرى
اقترب ببطء ومد يده ليلتقطها ثم توقف قبل أن يلمسها كأنها شيء سام
قال بصوت منخفض
أحدهم دخل البيت
لم أجب

لأن الجملة كانت أكبر من أن تحتاج جوابا
تفقدنا الغرفة بسرعة
الخزانة مغلقة
الأدراج كما هي
الأجهزة لم تُمس
لا شيء مسروقا ولا شيء مكسورا
فقط تلك القطعة التي بدت كرسالة صامتة
رسالة تقول نحن هنا
أغلق كريم النوافذ بإحكام واتصل بالحراسة فورا
خلال دقائق امتلأ البيت برجال الأمن والتفتيش والأسئلة
لكن النتيجة كانت نفسها
لا أثر لكــ,,ـــــسر أو اقتحام
لا كاميرات رصدت شيئا
وكأن من دخل خرج كظل لا يترك خلفه أي دليل
مرت الليلة بطيئة وثقيلة
جلسنا في غرفة المعيشة بلا كلام
كانت تلك أول مرة أرى الخوف في عيني كريم منذ استيقظ
قال أخيرا
هم يعرفون أننا نعيش هنا
كانت جملة بسيطة لكنها فتحت بابا من الرعب في داخلي
في اليوم التالي قرر كريم تركيب نظام مراقبة جديد يغطي كل زاوية في المنزل
كاميرات داخلية وخارجية وأجهزة إنذار وأقفال إلكترونية
تحول البيت إلى حصن صغير
مر أسبوع كامل دون شيء
ثم أسبوع آخر
بدأ الخوف يهدأ تدريجيا كما يهدأ البحر بعد العاصفة
وفي ليلة هادئة كنا نجلس في غرفة المعيشة نتابع تسجيلات الكاميرات من باب الاطمئنان فقط
كنا نراجع تسجيلات الليلة السابقة عندما توقف كريم فجأة
أعاد المقطع مرة أخرى
ثم مرة ثالثة
اقتربت من الشاشة
لم أر شيئا في البداية
ثم لاحظت الحركة
باب غرفة النوم انفتح ببطء شديد من الداخل
في الساعة الثالثة فجرا
والكاميرا لم ترصد دخول أحد إلى الغرفة قبل ذلك
تسارعت أنفاسي وأنا أتابع المشهد
الضوء الخافت يتسلل من الممر
والباب يتحرك وحده ببطء
ثم ظهرت يد
يد تخرج من الظلام وتغلق الباب من الداخل
صرخت دون وعي
لكن كريم لم يتحرك
كان يحدق في الشاشة بوجه شاحب
قال بصوت بالكاد يُسمع
هذه يدي
نظرت إليه في ذهول
كانت يد التسجيل تتحرك بثبات وقوة
ليست يد رجل يتعافى بصعوبة
أعاد المقطع مرة أخرى
ثم أبطأ السرعة
كانت اليد تتحرك بثقة وكأن صاحبها يعرف تماما ما يفعل
همس كريم
أنا كنت نائما تلك الليلة
شعرت بأن الأرض تميد بي
إذا لم يكن هو
فمن كان داخل الغرفة
وفي تلك اللحظة سمعنا صوتا خافتا يأتي من الطابق العلوي
صوت خطوات بطيئة
نظرنا إلى بعضنا في صمت مرعب
لأننا كنا نجلس معا في الأسفل
وهذا يعني أن شخصا آخر كان في الأعلى الآن.

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى