
سر آخر حكايات اسما السيد
توقف الزمن للحظة ونحن نحدق في بعضنا
الصوت كان واضحا هذه المرة
خطوات بطيئة فوق رؤوسنا مباشرة
نهض كريم بصعوبة لكنه أصر أن يصعد
أمسك يدي بقوة وكأننا سندخل حربا لا نعرف نهايتها
صعدنا الدرج ببطء شديد
كل درجة كانت تبدو أطول من التي قبلها
والصمت حولنا كان أثقل من أي صوت
عندما وصلنا إلى الممر العلوي رأينا باب غرفة الأجهزة مفتوحا
لم يكن هذا الباب يفتح أبدا
كانت غرفة صغيرة نحتفظ فيها بمولد الكهرباء ولوحة التحكم بالكاميرات
اقترب كريم بحذر ودفع الباب
فانفتح ببطء كأنه كان ينتظرنا
لم يكن هناك أحد
لكن شاشة صغيرة كانت تعمل على المكتب
شاشة لم تكن ضمن نظامنا أصلا
اقتربنا منها معا
وعندما نظرنا إلى ما تعرضه الشاشة شعرت أن الهواء اختفى من حولي
كانت الكاميرا تعرض بثا مباشرا لغرفة نومنا
من زاوية لا تملكها أي كاميرا لدينا
زاوية مرتفعة في السقف
نظر كريم إلى السقف ببطء شديد
رفع عينيه نحو المصباح المركزي
وتقدم خطوة نحوه
أطفأ المصباح
وبعد لحظة فتح الغطاء الزجاجي بيد مرتجفة
سقطت قطعة صغيرة سوداء على الأرض
كاميرا
لم أستطع التحدث
لم أستطع حتى التنفس
قال كريم بصوت مكسور
كانوا يراقبوننا طوال الوقت
في تلك اللحظة دوى صوت إنذار الحديقة الخارجية
ركضنا نحو النافذة
ورأينا بوابة المنزل تُفتح ببطء
سيارة سوداء تقف خارجها
أضواؤها مطفأة
خرج منها رجل واحد فقط
لم يركض
لم يختبئ
كان يسير بثقة وكأنه صاحب المكان
طرق الباب الأمامي مرة واحدة فقط
نظر إلي كريم طويلا
ثم قال
انتهى الاختباء
نزلنا معا وفتح الباب
كان الرجل في منتصف الخمسينيات من عمره
ملامحه هادئة بشكل مخيــ,,ـــــف
ابتسم ابتسامة خفيفة وقال
تأخرتم كثيرا
تجمد كريم في مكانه
همس باسمه بصوت خافت
كان اسم الرجل هو الاسم الوحيد الذي لم تذكره التحقيقات
الاسم الذي قال كريم إنه أخطرهم جميعا
دخل الرجل إلى المنزل دون أن ينتظر دعوة
جلس بهدوء في غرفة المعيشة كأنه يزور أصدقاء قدامى
قال بصوت هادئ
ست سنوات ونحن ننتظر أن تستيقظ
نظرت إلى كريم فوجدته شاحبا كالمــ,,ـــــوت
تابع الرجل
ظننت أن الغيبوبة ستحميك
لكننا كنا نعرف أنك ستعود يوما
أشار حوله ببطء
هذا البيت كان لنا طوال الوقت
شعرت بأن الجدران تضيق حولي
كل ليلة كنت أظن أنني وحدي
لكنهم كانوا هنا
يراقبون
ينتظرون
قال كريم بصوت مرتجف
ماذا تريد
ابتسم الرجل ابتسامة باردة
أريد ما أخذته منا
ثم نظر إلي لأول مرة
نظرة جعلت الدم يتجمد في عروقي
وقال بهدوء شديد
والآن بعد أن عرفَت كل شيء
لم يعد هناك سبب لإبقائها خارج اللعبة
في تلك اللحظة فهمت الحقيقة الأخيرة
لم تكن قصتي قصة زوج مريض
ولا قصة خيانة
ولا حتى قصة مؤامرة قديمة
كانت بداية حرب جديدة
وأنا أصبحت جزءا منها رغما عني.





