
اختفى ثلاثة توائم عام 1981 – وبعد 30 عاماً، لاحظت والدتهم شيئاً حطم عالمها…
في بلدة تكساس الهادئة القابعة قرب الحدود، كان عام 1981 حين وقع حدث بدا وكأنه مستحيل، حـ ـادثة صامتة بلا شهود حقيقيين، لكنها مزّقت حياة عائلة كاملة إلى الأبد.
اختفى ثلاثة أولاد توائم متطابقين، اختفاءً نظيفًا ومرعبًا، بلا صراخ، بلا مقاومة، بلا أثرش واحد يدل على أين ذهبوا، أو كيف، أو حتى لماذا.
قبل دقائق فقط كانوا يلعبون في الفناء الأمامي، ضحكاتهم تملأ المكان، أحذيتهم الصغيرة تترك علامات عشوائية على التراب، ثم فجأة، كأن الهواء ابتلعهم، لم يبقَ شيء.
مرت السنوات ثقيلة وبطيئة، تكدست العقود فوق قلب أمٍ لم تتوقف عن الانتظار، بلا إجابات، بلا اعتراف، بلا دليل يطفئ ذلك السؤال الذي رفض أن يمـ ـوت.
ثلاثون عامًا كاملة عبرت، إلى أن لمحت والدتهم شيئًا غير متوقع، تفصيلة صغيرة مختبئة داخل صورة قديمة، تفصيلة بدت تافهة، لكنها كانت كفيلة بتحطيم كل يقين عاشته.
شيء واحد فقط، تفصيلة بالكاد تُرى، لكنها أعادت فتح الجرح دفعة واحدة، وأيقظت ذاكرة حاول الزمن دفـ ـنها، وأعادت الرعب حيًا كما لو أن الاختفاء حدث بالأمس.
أشرقت شمس الظهيرة على حي متواضع في ضواحي لاريدو بولاية تكساس، حيث بدا كل شيء عاديًا، سماء صافية، هواء دافئ، وأصوات حياة يومية لا توحي بكارثة.
كان يوم سبت هادئًا ومألوفًا، بينما كانت الحديقة الخلفية لمنزل عائلة رودريغيز تضج بضحكات الأطفال، وصخب الاحتفال، وضجيج برئ يخفي خلفه قصصًا لا تُروى.
تراقصت البالونات في النسيم الخفيف، وتدلت الطاولات القابلة للطي تحت أوعية رقائق البطاطس وأطباق الورق الملونة، تفاصيل احتفال بسيط يشبه مئات الاحتفالات السابقة.
كان عيد ميلاد تومي رودريغيز الثامن، مناسبة صغيرة جمعت الجيران والأقارب، تمامًا كما اعتاد الحي دائمًا، تجمعات دافئة تخفي خلف المجاملات توترات وأحزانًا قديمة.
وقفت إيفي مارلو قرب سياج الحديقة، تعدّل قبعتها الشمسية ذات الحافة العريضة، محاولة الاحتماء من الضوء، ومن الذكريات، ومن نظرات تعرف تمامًا ما تحمله عيناها.
رغم بلوغها الستين، بقيت ملامح أناقتها واضحة، لكن جسدها حمل انحناءة خفيفة، انحناءة صنعتها ثلاثون سنة من الحزن الثقيل الذي لا ينبغي لأي أم أن تعيشه.
أحاطت الخطوط الدقيقة بعينيها، عينين أمضتا عقودًا تمسحان الوجوه، الحشود، الأطفال، أي ملامح مألوفة، دائمًا بأملٍ صغير، دائمًا بخيبةٍ أكبر.
بجوار الشواية وقف زوجها والتر، يتبادل أطراف الحديث مع بعض الرجال، يقلب البرغر بيد ثابتة، ويحتسي الشاي المثلج، محتميًا بقناع الصلابة الذي تعلّمه بمرور السنين.
كان يكبرها بسنتين، وقد تقدم في العمر بهدوء قاسٍ، كرجل جرّب الفقد طويلًا، وتعلّم أن يتعايش مع الألم كحقيقة يومية لا يمكن الفرار منها.
ابتسمت إيفي بأدب بينما كانت جارتها مارثا تتحدث بإسهاب عن كروم الطماطم والخنافس المزعجة، كلمات عابرة لم تلتقط منها إلا الأصوات دون المعاني.
لكن انتباهها انقطع فجأة، حين التقطت عيناها حركة قرب باب الفناء، حيث دخل رجل غريب لم تتعرف عليه، ممسكًا بيد صبي صغير.
كان الصبي في الثامنة تقريبًا، ملامحه عادية، خطواته مترددة، بينما قال الرجل ببرود اعتذاري: نأسف لتأخرنا، حدثت مشكلة صغيرة في المنزل.
قبل أن يكمل جملته، أفلت الصبي من يده واندفع نحو الأطفال، ركضًا عفويًا مليئًا بالحياة، بينما مرّ مسرعًا بجانب إيفي دون أن يلتفت.
وفي تلك اللحظة تحديدًا، انحبس نفس إيفي فجأة، كأن الهواء اختفى من حولها، كأن الزمن تعثر، كأن الذاكرة قررت أن تصرخ دفعة واحدة.
كان الصبي يرتدي بذلة عمل خضراء مزينة بأحزمة صفراء زاهية، نفس النقشة، نفس اللون، نفس القميص الطويل تحتها، تفاصيل لم تخطئها عينا أمٍ موجوعة.
تراقص شعره الداكن مع حركته، ولثانية واحدة فقط، تشوه الزمن، تداخل الماضي بالحاضر، وارتطم قلب إيفي بصدرها بعنـ ـفٍ كاد يفضح ارتباكها.
دون كلمة واحدة، تقدمت خطوة سريعة، أسرع مما توقعت، ومدّت يدًا مرتجفة، وضعتها برفق على كتف الصبي، وأدارته نحوها ببطء.
سألت بصوت بالكاد يُسمع، صوت مثقل بالدهشة والخوف والرجاء: من أين حصلت على هذه الملابس؟
ارتجفت أصابعها وهي تقترب من خصلات شعره، كأنها تلامس شبـ ـح ذكرى بعيدة، بينما اتسعت عينا الصبي فجأة بفزعٍ واضح.
وفي لحظة حادة، ابتعد عنها بعنـ ـفٍ طفولي، وانطلق نحو والده صارخًا بصوت مرتجف: أبي، أبي!
رفع الرجل رأسه مذعورًا، تحرك بسرعة، احتضن ابنه بحركة غريزية، ووضع يده على كتفه بحماية حذرة تخفي خلفها توترًا متصاعدًا.
سأل بنبرة متماسكة لكنها متحفزة: هل كل شيء على ما يرام؟
تشبث الصبي بوالده وقال بصوت مرتعش: لقد لمستني… لقد أخافتني.
ضاقت عينا الأب قليلًا، ونظر إلى إيفي بحدة مكتومة قبل أن يقول ببرودٍ متوتر: سيدتي، ما الذي يحدث؟ لماذا أمسكتِ بابني؟
فتحت إيفي فمها محاولة الكلام، لكن الكلمات خانتها، وبقي صوتها حبيس الصدمة، بينما ارتجف قلبها بين خوفٍ قديم وأملٍ مستحيل.
كانت نظرات إيفي مثبتة على ملابس الصبي، كأن القماش يحمل سرًا دفينًا، ورفعت يدها ببطء، ثم توقفت قبل أن تلامس البدلة مرة أخرى، مترددة بين الذكرى والواقع.
قالت بصوت منخفض لكنه مشدود بالتوتر: هذه البدلة… من أين حصلت عليها؟
تقدم الرجل خطوة سريعة، ووقف أمام ابنه بحركة غريزية حامية، وقد اشتدت نبرته وتحولت من المجاملة إلى الحذر الواضح.
قال ببرود متوتر: معذرةً، ما مشكلتك يا سيدتي؟
قبل أن تتمكن إيفي من الشرح أو حتى التقاط أنفاسها، ظهر والتر بجانبها فجأة، بعد أن التقط توتر الموقف من نبرة الأصوات ونظرات الجيران المتسائلة.
وضع ذراعه حول كتفيها في محاولة لاحتوائها وحمايتها، ثم نظر من الرجل إلى الصبي، الذي كان لا يزال متشبثًا بوالده بعينين واسعتين بالخوف.
قال والتر بهدوء محسوب: أنا آسف، رغم أن أصابعه ضغطت على كتف إيفي بقوة أكبر من المعتاد، قوة كشفت توترًا داخليًا حاول إخفاءه خلف صوته المتزن.
أضاف بنبرة مطمئنة: لم تقصد زوجتي إخافة أحد.
ثم نظر إلى الصبي، وتغير تعبير وجهه تدريجيًا، كأن تفصيلة صغيرة أيقظت داخله شيئًا قديمًا لم يهدأ يومًا.
قال ببطء: تلك الملابس…
وتابع، وقد أصبح صوته أثقل: كان أبناؤنا يرتدون ملابس مماثلة تمامًا، بدلة خضراء، أشرطة صفراء، أكمام طويلة، تفاصيل متطابقة لا يمكن أن تخطئها عين أب.
رمش الرجل بارتباك واضح، بينما تحولت حدّة ملامحه إلى شيء أقرب إلى التعاطف، كأن القصة بدأت تتضح أمامه فجأة.
قال والتر بصوت أجش: أولادنا كانوا ثلاثة توائم.
وصمت لثانية ثقيلة قبل أن يُكمل: اختفوا في عام 1981، ولم نكتشف أبدًا ما حدث، ولا كيف، ولا لماذا، فقط فراغٌ تركوه خلفهم.
ساد الصمت أرجاء الفناء، صمت مفاجئ خنق الضحكات وأوقف الأحاديث، بينما استدار الجيران ببطء، وقد جذبتهم القصة القديمة التي يعرفونها جيدًا.
تقدمت السيدة رودريغيز بخطوات هادئة، وكان صوتها رقيقًا لكنه يحمل يقين الشاهد القديم.
قالت بهدوء: هذا صحيح… تم أخذ أولاد آل مارلو من هذا الحي، كان الأمر مدمّرًا، بحث الجميع لأسابيع، ولم ينسَ أحد تلك الأيام.
نظر الرجل إلى ابنه، ثم إلى والتر، وقد ارتسمت على وجهه صدمة ممزوجة بالأسف.
قال بصوت خافت: أنا آسف جدًا… لم أكن أعرف، أقسم.
وأضاف مرتبكًا: اشتريت هذه البدلة من متجر متعدد الأقسام قبل أشهر، لا أستطيع تذكر أي متجر تحديدًا، كانت مجرد ملابس عادية بالنسبة لي.
اقتربت إيفي خطوة أخرى، وكان صوتها يرتجف لكنه بقي واضحًا، مدفوعًا بحاجة مؤلمة للفهم.
قالت: هل يمكنني رؤية الملصق من فضلك؟ أريد فقط معرفة العلامة التجارية… ما إذا كانت من نفس النوع.
وضع والتر يده برفق وثبات على كتف زوجته، محاولًا إعادتها ببطء إلى الأرض بعد أن كادت الذكرى تبتلعها.
قال بهدوء حنون: إيفي، يا حبيبتي… ذلك الصبي ليس لوكاس، ليس نوحًا، ولا جبريل، دعينا لا نخيفه أكثر مما حدث بالفعل.
ثم التفت إلى الرجل وأومأ برأسه بصدقٍ واضح.
قال: أنا آسف، لم تقصد زوجتي أي أذى، لقد كان يومًا صعبًا.
تدخلت السيدة رودريغيز برفق، الجارة اللطيفة كعادتها، ووضعت يدها على ذراع إيفي بحنانٍ أمومي.
قالت: إيفي، عزيزتي، أنتِ ترتجفين… ربما من الأفضل أن تعودي إلى المنزل وتستريحي قليلًا.
ابتسم لها والتر ابتسامة امتنان صامتة.
قال بهدوء: نعم، أعتقد أنها فكرة جيدة، شكرًا لكِ على كل شيء.
ثم نظر إلى الأب وابنه، ومدّ يده باحترام صادق.
قال: أتمنى لو التقينا في ظروف أفضل.
رقّ وجه الرجل شفقةً، وقال بأسف حقيقي: أنا آسف حقًا إذا تسببنا في أي ضيق، لقد انتقلنا للتو، واعتقدت أن الحفلة فرصة لطيفة للتعرف على الجيران.
أجاب والتر بسرعة، بنبرة خالية من اللوم: ليس خطأك… حقًا.
ثم قاد إيفي خارج الفناء الخلفي برفق.
بينما كانت نسمة الهواء الدافئة تداعب الأشجـ ـار بينما كانوا يسيرون بهدوء عائدين إلى المنزل، على بعد ثلاث بنايات فقط، لكن كل خطوة كانت تبدو أثقل من سابقتها.
في الداخل، ساعدها والتر على الوصول إلى الأريكة، ثم اختفى في المطبخ.
صفّرت الغلاية بعد دقائق، وعاد ومعه كوب من الشاي، وتصاعد البخار في الصمت الذي ساد بينهما.
ساعدها على رفعها إلى شفتيها، ويده تحت يدها.
امتلأت عينا إيف بالدموع.
همست قائلة: “لم أقصد إخافة ذلك الصبي الصغير”.
“لقد رأيت تلك الملابس للتو.” أومأ والتر برأسه برفق، وجلس بجانبها.
أعلم أنها كانت نوبة هلع.
لم يكن بإمكانك منع ذلك.
قالت بصوت متقطع تحت وطأة الحزن الذي لم يتلاشَ قط: “لا أستطيع أن أتركك يا والتر”.
حتى بعد مرور 30 عاماً، ما زلت أراهم في كل مكان.
أمسك والتر بيدها بقوة.
قال: “كانوا سيكبرون الآن”.





