
نهايـة الأفاعـي كـاملة بقلـم منـي السـيد
## الجزء الثاني: كشف المستور.. والحساب يجمع
“فتحي” أخويا وصل البيت بالليل، وشه باهت، وكتفه محني من الشيلة.. طول عمره كان الأضعف فينا، اللي بيصالح قبل ما يغلط، واللي فاكر إن السكوت على الظلم “طيبة”. لما شافني، حاول يبتسم، بس كانت ابتسامة مكسورة، طالعة من غلب. بقلم منــي الـسـيد
السفرة اتحطت، وعليها ما لذ وطاب.. فراخ محمرة، وشوربة، وفاكهة، والأكل ريحته تعمّر النفوخ، بس ملوش طعم في بوقي. قعدت وبصيت لمنى وأمها وهما بياكلوا بنهم، وقلت بصوت هادي:
— “أمال فين أبويا وأمي يا فتحي؟”
منى هزت كتفها ببرود:
— “تلاقيهم ورا في المندرة، هما بيحبوا ياكلوا هناك براحتهم، بيقولوا السفرة بتتعب ضهرهم.”
كدب.. كدب عيني عينك. قمت من غير استئذان ورحت “المطبخ الجواني”.. شفتهم. قاعدين على طبلية قديمة، بياكلوا رز أبيض وشوية مية وسلطة، وحتة جبنة قديمة ناشفة، وكأنهم أغراب في بيتهم! أمي حاولت تداري بكسوف، وأبويا بص في الأرض.
رجعت الصالة، والنار بتاكل في صدري. قعدت وبصيت لـ “فوزية” وهي بتمصمص عضمة فرخة، ولـ “منى” وهي بتمضغ بدلع.. وبصيت لفتحي اللي باصص في طبقه ومش قادر يرفع عينه في عيني… متوفرة علي روايات و اقتباسات قلت والسم في صوتي:
— “سبحان الله! الأكل بيبقى طعمه حلو قوي لما الواحد بياكله من غير تعب ولا شقا، مش كده يا منى؟”
الكل سكت، وفوزية شردت بلقمتها، ومحدش نطق بحرف.. كنت عايزة البداية تبقى كده، “هس هس” قبل العاصفة.
## الغدر في الأرض.. “شقى العمر” بيتسرق
تاني يوم الفجر، قبل ما الديك يذن، سمعت حركة.. بصيت من ورا الستارة، شفت أبويا وأمي طالعين على الغيط. أبويا شايل الفأس، وأمي شايلة قلة المية وكيس فيه لقمة ناشفة.. ماشيين زي المساجين اللي رايحين الأشغال الشاقة.
لبست هدومي وحصلتهم من غير ما يحسوا. شفت أبويا وهو بيوطي يقلع الحشيش، وضهره بيطقطق مع كل دبة فأس.. شفت أمي وهي بتلم المحصول بإيد مشققة. الأرض دي أنا اشتريتها عشان أبويا يبقى “باشا” يمشّر فيها، مش عشان ينهد حيله كأنه أجير!
على الضحى، وصل تاجر المحصول، ووصلت وراه “منى” بالموتوسيكل، لابسة نضارة شمس وشايلة شنطة جلد غالية. شفتها وهي بتاخد “رزم الفلوس” من التاجر، وبتحطها في شنطتها بعين جيعانة، وهي بتقول للتاجر:
— “بقولك إيه، لما تسأل الحج إسماعيل، قوله المحصول جاب النص.. مش عايزين وجع دماغ وكلام كتير.”
أبويا قرب منها بكسرة وهو بيمسح عرقه بكُم الجلابية:
— “يا بنتي.. هاتي بس مية جنيه أجيب دوا المفصلات، الدوا خلص من أسبوع ورجلي مابتشيلنيش.”
ردت عليه بقلب حجر:
— “يوووه يا حج! هو مفيش غير سيرة الدوا؟ اتحرك شوية ورجلك هتفك، الفلوس دي يدوب تكفي الجمعية اللي عليا وتمن طقم الدهب الجديد.”
## ليلة “المحاكمة” أمام أهل الكفر
رجعت البيت، واتصلت بالمحامي بتاعي في القاهرة.. جهزت كل الأوراق، وصور الفيديو، وتسجيلات الصوت.. كنت برتب لـ “مذبحة” قانونية وإنسانية.
بالليل، فوزية ومنى عملوا “عزومة” كبيرة في البيت، عزموا الحبايب والجيران عشان يتباهوا بـ “العز” اللي هما فيه. البيت كان مليان ناس، والأكل والضحك مالي المكان.. وأبويا وأمي شغالين “خدم” بيقدموا المشروبات ويمسحوا اللي يقع.
نزلت من فوق، بس المرة دي لابسة طقم رسمي، وراسمة على وشي هيبة تقطع النفس. مشيت وسط الناس، وشفت فوزية بتزعق في أبويا عشان وقع نقطة عصير على الأرض:
— “إيه يا راجل أنت! ما تركز، فضحتنا قدام الناس!”
هنا، وقفت الزمن..
— “استني عندك يا فوزية!”
الصوت كان زي الطلقة. الكل سكت.
رحت لأبويا، خدت منه الصينية وحطيتها على جنبة، ومسكت إيد أمي ورفعتها قدام الكل:
— “بصوا يا ناس.. بصوا على الإيد اللي شقيت وربت، الإيد اللي علمتني وبنت البيت ده.. يرضي ربنا الإيد دي تغسل غسيل “البرانية” في البيت اللي بنته بفلوس غربتي؟”
بدأت الحقيقة تظهر زي الشمس. رفعت كم جلابية أبويا ووريتهم “الزرقان” اللي في دراعه من كتر الشيل والحط والإهانة.. متوفرة علي روايات و اقتباسات “واللي بتزعق فيه ده، هو صاحب البيت.. والست اللي قاعدة زي الهانم دي، هي اللي واكلة ماله ومال دواوه!” منى صرخت:
— “انتي اتجننتي يا نورا؟ ده بيت جوزي وبيت أمي!”
طلعت الورق، وضربته على السفرة:
— “البيت ده باسمي.. والأرض باسمي.. والفلوس اللي اتنهبت دي أنا مصوراكي وانتي بتاخديها من التاجر يا حرامية! فتحي ملوش هنا “قشة”، والورق اللي مضيتيه عليه ده بليّه واشربي ميته، لأن مفيش حد بيورث وهو حي، ولا بيبيع اللي مملكوش!”
## الطرد.. والرجوع للحق
فوزية ومنى بقوا زي الفراخ المبلولة وسط نظرات الاحتقار من أهل البلد. فتحي أخويا، لما شافني قوية وشاف وجع أهله عياناً بياناً، “الراجل” اللي جواه فاق.. قام وقف ونفض التراب من عليه وبص لمراته وقال الكلمة اللي كانت لازم تتقال من زمان:
— “انتي “طالق” يا منى.. وخذي أمك واطلعي برا بيتي، وبرا حياتي.. الأرض دي طاهرة مابيمشيش عليها اللي بيظلم أهله.”
رميت لها شنطتها في الطين، وطردتهم قدام الكل بجلابيبهم اللي كانوا فاكرينها هتداري وسخ قلوبهم.
## النهاية: رائحة الأرض الطيبة
عدت سنة..
الآن، أنا قاعدة في “المصطبة” مع أبويا وأمي. أبويا لابس جلابية بيضاء مكوية، وقاعد بيشرب شاي ومنور زي البدر. أمي قاعدة بتسقي الزرع وهي بتدندن، وضهرها ارتاح، وإيدها رجعت ناعمة وريحتها حنة. بقلم منــي الـسـيد
فتحي بقى هو اللي شايل الأرض، بيعوضهم عن كل يوم غاب فيه عقله. والبيت رجع له روحه.. مابقاش حيطان وسقف، بقى “حضن” دافي.
أما منى وأمها، فسمعنا إنهم بقوا “خدامين” عند اللي يسوى واللي ميسواش في البندر، والفلوس اللي سرقوها طارت في المحاكم والمصاريف.. “كما تدين تدان”، والبيت اللي يتبني على دمعة أب وأم، لازم يتهد على دماغ اللي بناه.
**تمت.**
بقلم منــي الـسـيد





