
بقيت الوصية
الفصل الأخير — رسالة ابني
مسكت الظرف بإيد بتترعش.
قعدت على أول كرسي في مكتب المحامي.
سلمى وليلى وقفوا جنبي، لكني ماقدرتش أفتحه على طول.
فضلت أبص على خط ابني.
نفس الخط.
نفس طريقة كتابة اسمي.
كأني رجعت عشرين سنة لورا في لحظة واحدة.
فتحت الظرف ببطء.
جواه ورقة واحدة.
بس.
بدأت أقرأ.
«أمي…
لو إنتِ اللي بتقري الرسالة دي، فده معناه إن خوفي اتحقق، وإنك كنتِ الشخص اللي وقف جنب بناتي لما أنا ماقدرتش أكون موجود.»
وقفت.
دموعي نزلت.
كملت.
«أنا عارف إن طلب كبير جدًا إني أسيب لك طفلتين وإنتِ أصلًا تعبتِ في تربيتي أنا.
وعارف إنك ممكن تضحي بعمرك علشانهم.
وعشان كده لازم أقول لك حاجة من دلوقتي:
ماتحسيش إنك مدينة ليا بحاجة.
ولو في يوم تعبتي، ماتلوميش نفسك.
ولو البنات كبروا كويس، فده مش لأنهم حفيداتي أنا…
ده لأنهم بناتك إنتِ كمان.»
ماقدرتش أكمل.
حطيت الورقة على صدري.
ليلى كانت بتعيط.
وسلمى مسكت كتفي.
قلت بصوت مخنوق:
— هو كان عارف.
المحامي قال بهدوء:
— كان واثق في حضرتك.
مسحت دموعي وكملت آخر سطرين.
«ولو جه اليوم اللي يسألوكي فيه: مين أمنا؟
قولي لهم الحقيقة.
الأم مش بس اللي بتولد.
الأم هي اللي تفضل.»
وقفت القراءة.
ماحدش اتكلم.
ليلى حضنتني.
وقالت:
— بابا كان عارفك كويس.
سلمى قالت:
— وعارف إحنا هنكون فين.
خرجنا من مكتب المحامي وإحنا مختلفين عن ما دخلنا.
مش لأننا عرفنا إن فيه فلوس أو أرض أو أوراق.
لكن لأننا أخيرًا عرفنا إن أبوهم ساب لهم حاجة أهم من كل ده.
ساب لهم حقيقة.
وساب لي أنا كلمة كنت محتاجاها من عشرين سنة.
إن اللي عملته ماكانش واجب مفروض عليا.
كان اختيار.
بعد شهور، القضية المالية اتقفلت بتسوية قانونية.
البنتين أخدوا حقوقهم من غير ما يتنازلوا عن حاجة.
ولا واحدة فيهم سمحت إن الفلوس تغير حياتها.
ليلى كملت دراستها.
وسلمى كملت شغلها.
واشتروا شقة صغيرة للاستثمار، واحتفظوا بالباقي للمستقبل.
أما أمهم…
فبعتت رسالة.
مش رسالة طويلة.
ولا فيها تبريرات.
كتبت:
«أنا عارفة إن كلمة آسفة ماتكفيش.
بس لأول مرة مش هطلب منكم حاجة.
لو في يوم حبيتوا تعرفوني بعيد عن الماضي والفلوس، أنا موجودة.
ولو ماحصلش، هاحترم قراركم.»
سلمى قرأت الرسالة.
وبصت لليلى.
قالت:
— نرد؟
ليلى قالت:
— مش دلوقتي.
ومسحت الرسالة من قدامها من غير ما تحذفها.
قلت لهم:
— القرار قراركم.
سلمى بصت لي.
— مش زعلانة إننا ممكن في يوم نتكلم معاها؟
ضحكت.
— ليه أزعل؟
ليلى قالت:
— بعد كل اللي عملته؟
قلت:
— أنا ربيتكم علشان تختاروا بنفسكم، مش علشان تفضلوا مدينين لي.
وسكت شوية.
— بس افتكروا حاجة واحدة.
بصوا لي.
— التسامح مش معناه إنكم تنسوا، ومش معناه إنكم ترجعوا زي الأول.
ممكن تسامحوا وتحطوا حدود.
وممكن ما تكونوش جاهزين دلوقتي.
وده حقكم.
بعد سنة…
كانت الجنينة مليانة ياسمين.
كبر جدًا.
وفي يوم، سلمى وليلى قرروا يعملوا حاجة بسيطة.
جابوا صورة أبوهم.
وحطوها في برواز كبير.
تحتها حطوا رسالته.
وجنبها صورة لينا إحنا التلاتة.
أنا في النص.
وهما على الجانبين.
كتبت سلمى تحت الصورة:
«العيلة اللي اختارت تفضل.»
بصيت للصورة وضحكت.
قلت:
— إنتوا مكبرين الموضوع أوي.
ليلى قالت:
— لأ.
سلمى كملت:
— إحنا متأخرين عشرين سنة بس.
وفي عيد ميلادهم الواحد والعشرين…
ماعملناش حفلة كبيرة.
ولا فندق.
ولا تصوير.
عملنا تورتة صغيرة في البيت.
وقبل ما يطفوا الشمع، سلمى قالت:
— أمنية واحدة يا تيتة.
قلت:
— إيه؟
قالت:
— تفضلي معانا أطول وقت ممكن.
ضحكت.
— بعد التعب اللي تعبتوهولي؟ أنا ناوية أعيش لكم مخصوص.
ضحكنا كلنا.
وبعدين ليلى قالت:
— تعرفي إحنا فهمنا إيه من كل اللي حصل؟
قلت:
— إيه؟
قالت:
— إن الناس ممكن ترجع بعد عشرين سنة.
وممكن تعتذر.
وممكن تندم.
لكن الحب الحقيقي مش بيتقاس بالكلام اللي بيتقال لما حد يرجع.
الحب بيتقاس بمين كان موجود طول الوقت.
سلمى مسكت إيدي وقالت:
— وإنتِ كنتِ موجودة.
بصيت لهم.
وشفت ابني في ملامحهم.
وضحتهم.
وطريقة كلامهم.
وقلت في سري:
«اطمن يا ابني…
البنات بقوا كويسين.»
وفي اللحظة دي، حسيت إن الرحلة الطويلة اللي بدأت يوم ما واحدة خبطت على بابي وسابتلي طفلتين ومشيت…
خلصت أخيرًا.
مش بالانتقام.
ولا بالفلوس.
ولا حتى بالاعتذار.
خلصت لما البنتين عرفوا مين كانوا فعلًا.
وعرفوا مين فضل علشانهم.
النهاية.
✍️ الكاتبة أسما السيد — حصري





