قصص قصيرة

داخل رأس د.مية عمرها 30 عامًا.. سر طفلة مفـ ـقودة يعـ ـود للحياة

بعد 30 عامًا.. امرأة تفتح رأس د.مية فيكتورية فتكتشف الحقيقة الصاد.مة لطفل مفقود

في صيف عام 2015، لم يكن في البلدة الصغيرة الواقعة في ولاية كارولاينا الجنوبية ما يوحي بأن سرًّا مدفونًا منذ عقود سيخرج أخيرًا إلى النور.
كانت الأيام تمضي هادئة، والمحلات العتيقة تصطف في الشوارع القديمة كأنها تحفظ ذاكرة المكان، تبيع بقايا الماضي لمن يهوى جمع الحكايات.

في أحد تلك المحلات، وبين صناديق مغبرة لم تُفتح منذ سنوات، كانت امرأة ترتب المقتنيات القديمة في الجزء الخلفي من متجر زوجها للتحف.
لم يكن الأمر أكثر من عمل روتيني اعتادت عليه؛ فرز، تنظيف، تسعير، ثم عرض على الرفوف.

لكن في ذلك اليوم، وقعت عيناها على د.مية فيكتورية ملفوفة بورق أصفر متآكل.
كان الورق هشًّا كأنه لمس آلاف الأيدي قبل أن يُنسى في العتمة.

رفعت الد.مية بحذر.
شعرت فورًا بثقل غريب.
أثقل بكثير مما ينبغي لد.مية من الخشب والقماش.

توقفت لحظة، حدّقت فيها.
كانت ملامحها مصنوعة بعناية، بعيون زجاجية واسعة تلمع بنظرة ثابتة لا تتغير، وشعر مصفف بدقة كأن صانعه أرادها أن تبدو حية.

قالت لنفسها إن الثقل ربما يعود إلى آلية قديمة بداخلها، أو إلى مادة ترميم استُخد.مت في وقت ما.
لا شيء يستدعي القلق.

وضعتها على الطاولة وبدأت تنظيفها.
أزاحت الغبار عن وجهها، مسحت أطراف فستانها الصغير، ثم أمسكت بالرأس لتتفحصها عن قرب.

وهنا حدث ما لم يكن في الحسبان.

سمعت صوتًا خافتًا، كصوت تشقق قديم يستسلم أخيرًا للزمن.
ثم انفتح الرأس.

لم يكن انفتاحًا كاملاً، بل صدعًا كافيًا ليكشف عن شيء محشور في الداخل.

تجمدت في مكانها.

داخل الرأس، لم تجد قطنًا ولا خشبًا، بل شيئًا ملفوفًا بعناية.
مدت يدها المرتجفة وسحبته ببطء.

كان سوار مستشفى بلاستيكي، باهت اللون، ما زال يحمل كتابة واضحة رغم مرور السنين.
تحت الاسم، تاريخ قديم يعود إلى عام 1985.

اسم طفلة.

“الطفلة جاكسون”

وتحت الاسم، مستشفى عام في مدينة تشارلستون.

شعرت بأن الهواء ينسحب من صدرها.

لم يكن وجود سوار مستشفى داخل د.مية أثرية أمرًا عاديًا، لكنه لم يكن الأسوأ.

حين أمالت الرأس قليلًا، انزلق شيء صغير آخر إلى الطاولة.

قطعة عظم.

صغيرة.
بيضاء.
وحقيقية.

تراجعت خطوة إلى الخلف، وكأن الد.مية نفسها تحولت إلى كائن حي يحدق بها بسخـ ــرية باردة.

في تلك اللحظة، انتهى كل احتمال للتفسير البريء.

لم يعد الأمر متعلقًا بقطعة أثرية غريبة، بل بشيء أعمق، أظلــ . ــم، وأقد.م مما تخيلت.

اتصلت بزوجها، فجاء مسرعًا من مقد.مة المتجر.
لم يحتج إلى كثير من الكلمات ليفهم خطورة ما حدث.

وبعد دقائق، كانت الشرطة في طريقها إلى المكان.

وصلت المحققة المسؤولة عن القضـ ـية، امرأة هادئة النظرات، اعتادت على مواجهة أسوأ ما يمكن أن يخفيه البشر.
تفحصت محتويات الد.مية بصمت طويل، ثم طلبت نقلها إلى المختبر الجنائي.

لم تُغلق القضـ ـية في ذلك اليوم.
بل بدأت.

أظهر الفحص الأولي أن قطعة العظم بشرية.
والسوار حقيقي، صادر عن مستشفى في تشارلستون منتصف الثمانينيات.

بدأ الاسم يُبحث في السجلات.

لم يمر وقت طويل حتى ظهرت الحقيقة الأولى.

طفلة وُلدت عام 1985.
اختفت بعد أيام من ولادتها.
أُغلقت قضيتها لعد.م وجود أدلة.

لكن هذا كان مجرد اسم واحد.

ومع توسع البحث، ظهرت معلومات أخرى.
الد.مية لم تكن قطعة عشوائية وصلت إلى المتجر بالمصادفة.

كانت جزءًا من مقتنيات متجر د.مى قديم، تعود ملكيته لامرأة اشتهرت بصناعة الد.مى اليدوية لعقود طويلة.
متجرها كان معروفًا في المدينة، ويقع قرب عدة مدارس وأحياء سكنية مزدحمة.

امرأة محترمة.
هادئة.
محبوبة من العائلات.

التحقيق لم يكتفِ بالد.مية الأولى.

فُتحت صناديق أخرى وصلت من نفس المصدر.
وُجدت د.مى إضافية، تحمل الثقل ذاته.

ومع كل رأس يُفتح، كان يتكرر المشهد نفسه.

أساور مستشفيات.
قطع عظمية صغيرة.
بقايا بشرية محفوظة بعناية داخل أجساد خشبية مصنوعة بإتقان.

لم يعد الشك واردًا.

كانت الد.مى تحتوي على رفات أطفال.

توسعت دائرة البحث في سجلات البلدة والمناطق المحيطة بها.
ظهرت قائمة طويلة من الأطفال المفقودين منذ الثمانينيات وحتى أوائل الألفية.

أطفال خرجوا من مدارسهم ولم يعودوا.
أطفال اختفوا من ساحات اللعب.
أطفال فقدتهم عائلاتهم في لحظة غفلة قصيرة.

ومع كل اسم جديد، كانت الخيوط تقود إلى المكان نفسه:
متجر الد.مى القديم.

لم يكن الاتهام مباشرًا بعد، لكن النمط كان واضحًا بشكل مرعب.

المرأة التي صنعت الد.مى توفيت قبل سنوات قليلة.
ماتت بسمعة طيبة، وجنازة حضرها العشرات ممن اعتبروها فنانة موهوبة وامرأة لطيفة.

لكن خلف تلك السمعة، كان شيء آخر يتكشف ببطء.

تشير السجلات إلى أن العديد من الأطفال المفقودين شوهدوا آخر مرة في المنطقة القريبة من متجرها.
بعضهم دخل المتجر مع عائلاتهم في زيارات سابقة.

كانت تتحدث إليهم.
تبتسم لهم.
تسألهم عن مدارسهم وهواياتهم.

تتعرف إلى روتينهم.

ثم، في يوم ما، يختفون.

لم يكن هناك دليل قاطع على أنها هي من اختطفهم.
لكن وجود رفاتهم داخل د.مى صنعتها بيديها كان كافيًا ليحول الشك إلى يقين مرعب.

أعلنت الشرطة رسميًا فتح تحقيق موسع.

انتشرت الأخبار في البلدة الصغيرة كالنــ ــار في الهشيم.
الوجوه التي كانت تبتسم لصور الد.مى في واجهات العرض، تحولت إلى وجوه مذهولة.

كيف يمكن لامرأة قضت حياتها في صنع ألعاب للأطفال أن تخفي هذا الكم من الظلام؟

عدد الضحايا ارتفع مع كل تحليل جديد.

ثلاثة وأربعون طفلًا.

أربعة وعشرون تم التعرف عليهم عبر تحليل الحمض النووي.
وتسعة عشر آخرون لم تُعرف هويتهم بعد.

أسر كانت قد فقدت الأمل منذ سنوات، تلقت اتصالات تعيد فتح الجرح من جديد.

لم يكن الألم جديدًا، لكنه أصبح ملموسًا الآن.

لم يعد الغياب لغزًا بلا شكل.
صار له اسم.
وصار له عظم.

أما المرأة التي عثرت على الد.مية، فقد وجدت نفسها في قلب عاصفة لم تخترها.

كانت ترى المشهد يتضخم أمامها، وتدرك أن ما بدأ بصدع صغير في رأس د.مية، قد شقّ جدار الصمت الذي دام ثلاثين عامًا.

لكن مع كل إجابة تظهر، كان سؤال أكبر يطفو على السطح.

هل كانت تلك المرأة تعمل وحدها؟

أم أن هناك من عرف… وصمت؟

وهنا، بدأ فصل جديد من القصة.

حين توفيت صانعة الد.مى، بدا الأمر وكأنه نهاية طبيعية لامرأة عاشت عمرًا طويلًا في الظل الهادئ للفن والحرف اليدوية.
لم يشك أحد آنذاك أن مــ . ــوتها لم يكن سوى ستار أخير أُسدل فوق مسرح جــ. . ـريمة امتد لسنوات.

لكن بعد اكتشاف الد.مى، لم يعد مــ . ــوتها نهاية.
بل صار بداية لسلسلة أسئلة أكثر تعقيدًا.

كان هناك شخص واحد ورث كل شيء.
المنزل.
المتجر.
المقتنيات.
والصناديق المغلقة.

ابن شقيقها.

رجل في أواخر الأربعينيات، معروف في المجتمع كرجل أعمال ناجح، قليل الظهور، حريص على سمعته.
كان يزور عمته بانتظام لسنوات، وفق ما أكد الجيران.
لم يكن مجرد قريب بعيد، بل حضورًا ثابتًا في حياتها.

عند.ما بدأ التحقيق يتوسع، كان اسمه أول اسم طُرح بعد وفاتها.

سُئل عن الد.مى.
أنكر معرفته بأي شيء غير قانوني.
قال إنه لم يكن يتدخل في تفاصيل عملها، وإنه ورث المتجر كما هو، دون أن يعرف ما بداخله.

لكن الأدلة لم تكن بسيطة.

تقارير مالية أظهرت تحويلات منتظمة بين حساباته وحسابها.
سجلات تثبت حضوره المتكرر للمتجر في الفترات التي اختفى فيها بعض الأطفال.
كاميرات قديمة التقطت صورًا له وهو يدخل المخزن الخلفي، المكان الذي وُجدت فيه الصناديق لاحقًا.

1 2الصفحة التالية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى