
مليونير قرّر زيارة بيت خادمته فجأة… وما اكتشفه خلف ذلك الباب غيّر حياته للأبد!
الصغيرة. كنبة قديمة مغطاة بقطعة قماش نظيفة طاولة خشبية عليها أكواب غير متطابقة ومروحة سقف تصدر صوتا خافتا.
شعر إميليانو بشيء غريب راحة لم يختبرها في قصره الواسع.
بدأ الحديث متقطعا. سألها عن يومها عن عملها عن صحتها. أجابت باقتضاب في البداية كأنها لا تزال غير متأكدة إن كان وجوده حقيقيا أم مؤقتا. ثم شيئا فشيئا بدأت الكلمات تنساب.
تحدثت عن سنوات عملها الأولى عن انتقالها إلى المدينة بحثا عن رزق عن أحلام صغيرة كانت تؤجلها دوما. كان إميليانو يصغي بتركيز لم يعتده في نفسه. لم يقاطعها ولم ينظر إلى ساعته ولم يشعر بالحاجة إلى الهروب.
وفجأة تغير صوتها.
ساد صمت قصير ثم انخفضت نبرتها وتجنبت عيناها عينيه. رأى ذلك الظل الذي لاحظه من قبل ظل التعب الثقيل الذي تحمله دون شكوى.
قال بهدوء
جوليا أشعر أن هناك شيئا يثقلك. إذا لم يكن سؤالي تطفلا ما الذي يؤلمك حقا
شدت أصابعها بعضها بعضا كأنها تبحث عن قوة في يديها. ترددت طويلا ثم خرجت الكلمات أخيرا مكسورة لكنها صادقة.
أمي مريضة منذ أشهر. تحتاج إلى علاج مستمر أدوية جلسات وأنا لا أملك ما يكفي. أعمل قدر استطاعتي لكن كل يوم معركة جديدة. أحيانا أشعر أنني لن أستطيع الاستمرار.
امتلأت عيناها بالدموعولم تحاول هذه المرة إخفاءها.
شعر إميليانو بانقباض حاد في صدره. المرأة التي اعتاد رؤيتها قوية صامتة مبتسمة كانت تقف الآن عارية من كل تماسكها. نهض دون تفكير واقترب منها واحتضنها بحذر كمن يخشى أن يجرح إنسانا هشا.
لم تبك بصوت عال بل أسندت رأسها إلى صدره وبكت كما يبكي من طال صبره.
في تلك اللحظة تغير شيء داخله.
لم تعد جوليا مجرد موظفة. صارت إنسانة كاملة بألمها بخوفها وبقوتها الصامتة. أدرك كم كان عالمه بكل رفاهيته فقيرا إلى هذه الحقيقة.
جلسا بعدها بصمت طويل. ثم وعدها لا بكلمات كبيرة بل بأفعال. قال إنه سيساعدها لا كصاحب عمل بل كإنسان. وعدها بأن لا تواجه هذا العبء وحدها بعد الآن.
ومنذ ذلك اليوم لم تكن زيارته الأخيرة.
بدأ يزورها بانتظام. ساعد في نقل والدتها إلى المستشفى رتب المواعيد الطبية وتكفل بالعلاج دون أن يشعرها بالمنة. كان يحضر أحيانا دون حديث يجلس في زاوية الغرفة يستمع يتعلم.
وبين زيارة وأخرى تغير إميليانو.
صار يرى العالم بعينين مختلفتين. أدرك أن النجاح الذي عاشه سنوات لم يكن كاملا وأن إنسانيته كانت مؤجلة. ومع جوليا اكتشف معنى القرب الحقيقي دون ألقاب دون أقنعة.
وذات يوم بينما كانا يجلسان في الحديقة الصغيرة قالت له بصوت صادق
لم أتخيل يوما أن يهتم بي شخص مثلك. علمتني أن الخير لا يزال موجودا.
ابتسم إميليانو وشعر أن شيئا كان ينقصه قد وضع أخيرا في مكانه.
لكنه لم يكن يعلم أن القدر كان يعد له اكتشافا آخر أعمق وأشد وقعا ينتظره خلف أوراق قديمة وصورة منسية.
مرت الأسابيع بهدوء لم يعتده إميليانو من قبل. لم يعد يقيس أيامه بعدد الاجتماعات ولا بحجم الصفقات بل بتلك الزيارات الصغيرة إلى بيت جوليا وبالتحسن البطيء الذي بدأ يظهر على وجه والدتها. كان يشعر للمرة الأولى أن حضوره في مكان ما له معنى يتجاوز التوقيع والأرقام.
في إحدى الأمسيات طلبت منه جوليا أن يساعدها في ترتيب بعض الأوراق الطبية القديمة. كانت والدتها نائمة في الغرفة المجاورة والبيت غارقا في سكون ثقيل لا يقطعه سوى صوت المروحة.
وضعت جوليا ملفا مهترئا فوق الطاولة الخشبية وقالت
هذه تقارير قديمة لم أعد أعرف أيها مهم وأيها يمكن التخلص منه.
أخذ إميليانو يقلب الأوراق واحدة تلو الأخرى يراجع التواريخ والأسماء بلا اهتمام خاص إلى أن توقفت يده فجأة. ورقة صفراء قديمة بخط مستشفى يعود إلى أكثر من ثلاثين عاما كانت تحمل اسما جعله يتجمد في مكانه.
رفع رأسه ببطء وأعاد النظر إلى الورقة ثم إلى جوليا ثم إلى الورقة مجددا. لم يكن الاسم عاديا بالنسبة إليه. كان مألوفا مألوفا أكثر مما ينبغي.
قال بصوت حاول أن يبقيه ثابتا
جوليا هل هذه الوثيقة تخص والدتك
أومأت برأسها
نعم. إنها من أيام شبابها. لماذا
شعر بقلبه ينبض بعنف. تذكر فجأة صورة قديمة لوالدته كانت معلقة في بيت العائلة بملامح شابة وابتسامة تشبه تلك التي رآها في إحدى الصور المعلقة على جدار جوليا.
سألها وهو يشير إلى ألبوم قديم كان موضوعا في الرف
هل يمكنني أن أراه
ترددت لحظة ثم ناولته الألبوم. فتحه ببطء وتقليب الصفحات كان أشبه بالسير في ممر ضيق يقوده إلى ذاكرة لم يكن يعلم بوجودها. صور طفولة مناسبات بسيطة وجوه مألوفة ثم توقف عند صورة بعينها.
امرأة شابة بابتسامة دافئة تقف أمام بيت قديم تحمل طفلة صغيرة بين ذراعيها.
توقف الزمن.
كانت المرأة تشبه والدته بشكل لا يمكن إنكاره.
همس دون أن يشعر
هذا هذا مستحيل.
نظرت جوليا إليه بدهشة
ماذا تقصد هذه أمي.
رفع عينيه إليها وقد ارتسم على وجهه ارتباك لم تعرفه فيه من قبل. جلس ببطء وكأن جسده لم يعد قادرا على الوقوف.
قال بصوت منخفض
أمي كانت تحمل هذا الاسم نفسه. وكانت تعيش في هذا الحي قبل أن تتزوج والدي.
ساد صمت ثقيل كأن الهواء نفسه توقف عن الحركة. جلست جوليا قبالته وقلبها يخفق بسرعة.





