قصص قصيرة

كسر أبي كأس تخرّجي أمام الجميع… لكن ما بنيناه بعد ذلك كان أعظم

في طياتها اعترافا لم يحتج إلى مزيد من الشرح.
بدأ الناس يدخلون إلى الغرفة تباعا. وجوه فضولية عيون متلألئة أصوات خافتة تتعالى شيئا فشيئا. لمس البعض الأدوات المعلقة على الجدران وتوقف آخرون عند الطاولات الخشبية كما لو أنهم يتحسسون مستقبلا جديدا. شغل أحدهم الراديو فانسكبت أغنية عن البدايات في المكان أغنية لا يعرفها الجميع لكنها بدت مناسبة على نحو غريب كأنها كتبت لهذا الصباح بالذات.
لاحقا حين وقفت لأتحدث إلى الحشد شعرت بأن الكلمات تأتي من مكان أهدأ في داخلي. لم أذكر الكلمات التي قيلت يوما عبر ذلك الميكروفون في الصالة الرياضية ولم أستدع الألم كما كان. تركته في موضعه حيث صار جزءا من القصة لا مركزها.
تحدثت بدلا من ذلك عما نختار تضخيمه الآن عما نقرر أن نمنحه الميكروفون الحقيقي في حياتنا لا ذلك الذي يمسك باليد بل الذي يمسك بالقلب.
تحدثت عن الأصوات التي تستحق أن تسمع فعلا 
صوت المناشير وهي تقطع الخشب بثقة لا تعرف التردد كأنها تعلمنا أن الخطأ ليس في القطع بل في التوقف عن المحاولة.
صوت الضحك حين يخطئ أحدهم ثم يبتسم ويعود ليحاول من جديد ضحك لا يسخر من العثرات بل يخفف ثقلها.
وصوت الأسئلة التي تطرح بلا خوف لأن الجهل لم يعد عيبا يخفى بل بداية معرفة تحتضن وطريقا مفتوحا للتعلم.
تحدثت عن الاعتذارات التي تقال همسا لا لأنها ضعيفة بل لأنها صادقة وتقابل بالنعمة لا بالتجريح وبالفهم لا بالانتقام.
وتحدثت عن المساحات التي نختار أن نبنيها لا لتظهر من هو الأفضل ولا لتصنع فائزين وخاسرين بل لتمنح الجميع فرصة حقيقية أن يكونوا أفضل مما كانوا عليه بالأمس ولو بخطوة صغيرة ولو بمحاولة واحدة صادقة.
قلت لهم الحقيقة التي تعلمتها بالطريقة الصعبة تلك الحقيقة التي لا تدرس في القاعات ولا تكتب على الشهادات 
إنه لا كأسمكسورا كان أم كاملايعرف حياة إنسان.
ولا لقب مهما كان لامعا.
ولا منصة مهما ارتفع نورها.
ولا تصفيق مهما طال.
نحن من نفعل ذلك.
نحن من نعرف حياتنا معا بما نبنيه بأيدينا حين نتعبها وبما نختاره لأنفسنا حين تتعدد الطرق وبمن نصير ونحن نبني لا فقط بما ننجزه بل بكيفية إنجازنا له.
نعرفها بالطرق التي نختار أن نعود بها إلى بعضنا بعضا حين نضل وبالمرات التي نمد فيها أيدينا بدل أن نغلقها وباللحظات التي نفضل فيها الإصلاح على الكسر والاحتواء على الإقصاء.
وحين انتهيت من الكلام لم أحتج إلى أن أطلب شيئا.
انفجر المكان بذلك التصفيق الطويل القوي الصادق.
لم يكن تصفيق احتفال عابر بل تصفيق اعتراف وتصفيق موافقة صامتة وتصفيق يشبه عهدا غير مكتوب على بداية جديدة نتشاركها جميعا.
رفعت نظري فوق الرؤوس فرأيت أبي مستندا إلى جدار الأدوات.
لم يكن واقفا باعتداد ولا متحفظا كما اعتاد بل واقفا كما يقف من رأى شيئا يلامس قلبه.
كانت عيناه تلمعان على غير عادته لا بدموع واضحة بل ببريق خفيف يشبه الفهم المتأخر.
وكانت كفاه تضربان الإيقاع بثبات كأنهما تقولان دون صوت أنا هنا وأنا أسمعك.
لم يكن ينظر إلى الكأس المصلح ولا إلى اللوحة الخشبية ولا إلى أي رمز.
كان ينظر إلي فقط.
وفي تلك النظرة كان ما يكفي من الاعتراف ليعادل كل منصة وقفت عليها يوما.
في تلك اللحظة فهمت شيئا ظللت أبحث عنه طويلا دون أن أجد له اسما واضحا 
النجاح ليس بلورا يتوهج لحظة ثم يتحطم عند أول صدمة.
ليس صورة تلتقط ولا خطابا يصفق له ولا لحظة نرفع فيها عاليا ثم نترك وحدنا.
النجاح ليس شيئا نخشى فقدانه.
النجاح غرفة نصنعها معا
وجدرانها من المحاولة
وأرضها من التعلم
وبابها مفتوح لا يغلق في وجه أحد.
هو الشجاعة أن نعود عبر ذلك الباب لا خجلين ولا منكسرين بل متصالحين يدا بيد.
وأن نبدأ من جديد
لا لأننا أجبرنا
ولا لأننا خسرنا
بل لأننا اخترنا أن نكون أفضل
معا.

الصفحة السابقة 1 2 3

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى