
قالت للقاضي أتحدث 11 لغة… فضحك الجميع، وبعد دقائق انقلبت المحكمة رأسًا على عقب
ساد صمت مدوٍّ.
قالت: «قبل ست سنوات، ترجمت هذا النص من العبرية القديمة إلى الإسبانية الحديثة لعميل مجهول، ومولت دراستي الجامعية بذلك. وأنت نشرت بعد ذلك بأربع سنوات بحثًا أكاديميًا مستخدمًا ترجمتي حرفيًا دون أن تنسبها إليّ».
شحُب وجه فياريال وتلعثم: «هذا هراء!».
نهضت باتريسيا ميندوزا قائلة: «سيدي القاضي، نطالب بالاطلاع فورًا على الملفات الرقمية الخاصة بموكلتي والموجودة لدى الادعاء. إن صحّ ما تقول، فهذا لا يثبت كفاءتها فحسب، بل يكشف سرقة علمية من قِبل مقيم قضائي».
كان القاضي ميتشل، وللمرة الأولى منذ سنوات طويلة على منصة القضاء، يغلي غضبًا مشروعًا لا تشوبه شبهة التسرّع أو الغرور. لم يكن غضبه نابعًا من تحدّي هيبته، بل من إدراكه المتأخر لحقيقة صادمة: لقد كان شاهدًا، وربما شريكًا بصمته، في ظلمٍ كاد أن يسحق موهبة نادرة. رفع يده بحزم وأمر بإحضار الحاسوب الخاص بالأدلة، وصوته يحمل نبرة لا تقبل الجدل.
لم تمر سوى دقائق حتى ظهرت الوثائق على الشاشة الكبيرة أمام الجميع. ملفات قديمة، مؤرخة بدقة، نسخ أولية لترجمة فالنتينا تعود إلى ست سنوات مضت، تحمل ملاحظاتها الهامشية، وتصحيحاتها الدقيقة، وأسلوبها اللغوي الفريد. وما إن قورنت بتلك الصفحات المنشورة باسم فياريال حتى بدا التطابق فاضحًا، لا يقبل تأويلاً ولا دفاعًا. الكلمات ذاتها، التراكيب نفسها، وحتى الأخطاء الأسلوبية الصغيرة التي صححتها لاحقًاكانت حاضرة هناك، وكأن الزمن قد انكشف فجأة على خيانة علمية مكتملة الأركان.
ساد القاعة صمت ثقيل، أشبه بصمت ما قبل العاصفة. لم يعد أحد يهمس، ولم تعد عدسات الكاميرات تومض؛ الجميع كان مسمّرًا في مكانه أمام الحقيقة العارية.
التفت القاضي ميتشل ببطء نحو بقية الأساتذة، وعيناه تجوبان وجوههم واحدًا واحدًا، ثم سأل بصوت ثابت لكنه مشحون بالدلالة:
«هل لدى أيٍّ منكم، بعد ما رأيتم وسمعتم، أدنى شك في كفاءة الآنسة رييس أو في صدق ما ادّعته؟»
وقفت الأستاذة أميرة حسن، وقد بدا التأثر واضحًا في ملامحها، لكنها تماسكت وتحدثت بوقار العلماء الحقيقيين، أولئك الذين يعرفون قيمة المعرفة حين يرونها متجسدة أمامهم. قالت:
«سيدي القاضي، خلال عشرين عامًا من التدريس والبحث الأكاديمي، قابلت عشرات المتخصصين وحملة الشهادات العليا، لكنني لم أرَ قط إتقانًا حيًّا كهذا. هذه الشابة لا تحفظ اللغات ولا ترددها، إنها تعيش داخلها، تفهم روحها وسياقها وتاريخها. ما شهدناه اليوم ليس مهارة مكتسبة فحسب، بل موهبة نادرة صقلتها التجربة والمعاناة».
انحنى بعض الأساتذة برؤوسهم موافقة، فيما بقي آخرون عاجزين عن إخفاء ذهولهم.
نهض المدعي العام برادفورد ببطء، وقد اختفت من ملامحه تلك الثقة المتعالية التي دخل بها القاعة في الصباح. بدا كمن خسر معركة لم يدرك منذ البداية أنه يقاتل في الجانب الخاطئ منها. قال بصوت خافت لكنه واضح:
«سيدي القاضي،في ضوء الأدلة القاطعة التي عُرضت، وشهادات الخبراء، تطلب النيابة العامة إسقاط جميع التهم الموجهة إلى الآنسة فالنتينا رييس».
لم يكد ينهي جملته حتى دوّى تصفيق عارم اجتاح القاعة. لم يكن تصفيق انتصار شخصي فحسب، بل انفجارًا جماعيًا للعدالة المؤجلة، وتنفيسًا لغضب مكتوم لدى جمهور رأى الحقيقة تُسحق ثم تنهض من تحت الركام.
ضرب القاضي بمطرقته بقوة أعادت النظام إلى القاعة، ثم نظر مباشرة إلى فالنتينا. كانت ملامحه قد فقدت قسوتها الأولى، وحلّ محلها شيء أقرب إلى الاعتراف الإنساني الصادق. قال:
«هذه المحكمة مدينة لكِ باعتذار رسمي. وأنا، بصفتي قاضيًا، مدين لكِ باعتذار شخصي. لقد افترضت، عن خطأ، أن الموهبة الاستثنائية لا بد أن تمر عبر بوابات المؤسسات لتُعترف بها. أما اليوم، فقد أثبتِّ لي وللجميع أن الموهبة الحقيقية أوسع من الشهادات، وأصدق من الأختام».
ثم أعلن، بصوت حاسم لا رجعة فيه، إسقاط جميع التهم، وإغلاق القضية نهائيًا.
ابتسمت فالنتينا ابتسامة امتزجت فيها الدموع بنار الانتصار. لم تكن دموع ضعف، بل دموع تحرر. وقالت بصوت متهدّج لكنه ثابت:
«الاعتراف بالحقيقة أهم من الاعتذار، لأنه يعني أن الإنسان قادر على مراجعة نفسه، وعلى التغيير. وهذا وحده ما يعطي للعدالة معناها».
وخارج قاعة المحكمة، وسط الفوضى الإعلامية والأسئلة المتلاحقة، اقتربت منها امرأة أنيقة المظهر، قدّمت نفسها باسم ليندا هارينغتون،المديرة التنفيذية لإحدى أكبر شركات الترجمة العالمية. لم يكن عرض العمل الذي حملته مفاجئًا بقدر ما كانت المفاجأة فيما تبقّى بين يديها: رسالة قديمة، صفراء الحواف، محفوظة منذ أكثر من عشرين عامًا، بخط يد جدتها لوسيا.
كانت الرسالة تقول إن الموهبة لا تحتاج إلى تصديق خارجي كي تكون حقيقية، وإن الكرامة لا تُمنح، بل تُنتزع بالصبر والعمل.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد. فقد جاء الكشف الأخير على لسان الدكتور رويز، طبيب العائلة الدبلوماسية التي عملت لديها لوسيا لسنوات طويلة. قال بصوت منخفض:
«جدتك لم ترحل بسكتة قلبية عادية. لقد جمعت، بصمت وشجاعة، وثائق تُدين شبكة اتجار استغلت الغطاء الدبلوماسي. تركت الأدلة في خزنة آمنة بجنيف. هي لم تمت عبثًا، بل قضت حياتها تهيئكِ لإكمال الطريق».
أمسكت فالنتينا بالظرف، وشعرت بثقله المعنوي يفوق أي وزن مادي. قالت دون تردد:
«سأذهب إلى جنيف. وسأنهي ما بدأته».
وبعد عام كامل، وقفت عند قبر جدتها، وضعت باقة زهور بيضاء، ونظرت إلى السماء وقالت بهدوء ممتلئ باليقين:
«هذا ما بنيناه معًا. لم يذهب تضحيتك سدى، ولم تضيع أصوات الذين دافعتِ عنهم».
وهكذا، تحولت فالنتينا رييس، تلك الطفلة التي كادت أن تُمحى في صمت، إلى صوتٍ عالمي للعدالة، ولسانٍ ينطق باسم المظلومين بلغات العالم كافة. ولم تكن هذه قصة احتيال قط، بل كانت قصة حب غير مشروط، حبٌّ تُرجم إلى إحدى عشرة لغة، وبقي معناهواحدًا في كل لغات البشر.





